116711

:

لعل مقولة “من رحم المحن تولد المنح” أدق عبارة تنطبق بدقة على الشعب الكويتي، الذي يضرب دائما أروع الأمثلة في التكاتف، والتلاحم ووحدة الصف وقت الأزمات. وهذا ظهر واضحا إبان فترة الغزو العراقي على كويتنا الحبيبة، مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث جسد هذا الشعب بكل مكوناته سنة وشيعة، وبدو وحضر، والتيارات السياسية والإسلامية والليبرالية كافة، أسمى معاني التلاحم في وجه العدو الغاشم. فشكلت لجان التطوع للدفاع عن تراب الوطن من كافة نسيج المجتمع الصغير بحجمه الكبير بعطائه، وشاركت المرأة الكويتية إلى جوار الرجل في الدفاع عن الوطن، في مشاهد تؤرخ بكلمات من ذهب. كما تشكلت اللجان لتوفير المؤمن الغذائية للشعب، ولكل من بقي على أرض الكويت، إبان تلك الأزمة التي ظلت جاثمة على الصدور سبعة اشهر متواصلة، ولم يخش الشعب الأبي مواجهة جنود الاحتلال رغم استشهاد نحو 1313 شهيداً، بينما بلغ عدد الأسرى في القائمة الرسمية لأسرى (كويتيين وغير كويتيين) 605 أسرى، وتم الاعلان عن 294 أسيرا شهيدا. وبعد تحرير الكويت تم جلب رفاتهم ودفنوا في ثراها، ولا يزال الكثير من المفقودين غير معروف مصيرهم، رغم مرور 36 سنة على تحريرها. لكن ما يجب أن نفخر به لا تزال مشاهد تلاحم الشعب الكويتي إبان الغزو باقية في الأذهان، وفي جائحة “كورونا” تكرر هذا الصمود، واصطف الشعب الكويتي حول بعضه وحول قيادته، والتزم الجميع بتعليمات الدولة، والمسؤولين بدقة حتى زالت الغمة. فتلاحم الشعب الكويتي في المحن ليس جديداً، فنحن كشعب مهما اختلفت آراؤنا ووجهات نظرنا، إلا أننا لا نختلف بحبنا وولائنا لهذه الأرض، وتكاتفنا، وعطائنا للآخرين، فتاريخ أجدادنا يشهد بذلك. وأذكر هنا واقعة تاريخية للرعيل الأول خلال الفترة من 1868 وإلى عام 1871 “سنة الهيلق” عندما انتشرت المجاعة في مناطق خارج الكويت، وبسببها مات الكثير نتيجة الجفاف والجوع، وعندما اتجه ما تبقى منهم إلى ديرتنا هب الشعب الكويتي، وقدموا لهم الزاد بسخاء، وعاشوا بيننا أخوة في عز، وكرم، فهذه هي قيم ونخوة وشهامة الرعيل الأول. ولعلنا نعيش حاليا ظروف عصيبة، ونحن في أتون الحرب المشتعلة بين إسرائيل وأميركا ضد إيران، والتي راح ضحيتها في الكويت عدد من الشهداء خلال تأديتهما واجبهما الوطني فضلاً عن وفاة الطفلة إلنا عبدالله التي لقيت حتفها جراء سقوط شظايا على إحدى المناطق السكنية. لذا علينا أن نستلهم العبر والمواقف الإيجابية من الأجداد، ونتمسك بالقيم التي ورثناها أبا عن جد عن النخوة والكرم والطيبة، ونتعامل مع بعضنا بعضاً بأخلاق حميدة بعيداً عن الخلافات والنزاعات الطائفية والعنصرية، ونزداد تلاحماً، ولا ننجرف خلف تلك النزعات، ونقتدي بسير الرعيل الأول لنسير على دربهم، فالانسلاخ عن الماضي الجميل ليس تحضراً، وكلي ثقة بأن الشعب الكويتي مثل الذهب إن تغير لونه لأي سبب، سرعان ما يعود إلى بريقه، لا سيما وقت المحن والأزمات.:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *